ابن رشد

149

تهافت التهافت

من غيره عاقلا لنفسه ولفاعله ، إنما يصح تمثيله بالعلة الثانية ، إذا وضع هذا الإنسان فعالا للموجودات من جهة ذاته ومن جهة علمه كما يضع المبدأ الثاني من قال بقول ابن سينا ، وكما من شأن الكل أن يضعوا المبدأ الأول سبحانه ، فإنه إذا وضع هكذا لزم أن يصدر عن هذا الإنسان شيئان اثنان : أحدهما من حيث يعلم ذاته والآخر من حيث يعلم صانعه ، لأنه إنما فرض فعالا من حيث العلم ، ولا يبعد أيضا أن فرض فعالا من جهة ذاته أن يقول : إن الذي يلزم عنه من حيث هو ممكن الوجود غير الذي يلزم عنه من حيث هو واجب الوجود ، إذ كان هذان الوصفان موجودين لذاته . فإذا ليس هذا القول من الشناعة في الصورة التي أراد أن يصورها هذا الرجل حتى ينفر بذلك النفوس عن أقوال الفلاسفة ، ويخسسهم في أعين النظار ، ولا فرق بين هذا وبين من يقول : إذا وضعتم موجودا حيا بحياة ، مريدا بإرادة ، عالما بعلم ، سميعا ، بصيرا ، متكلما ، بسمع ، وبصر ، وكلام ، ولزم عنه جميع العالم لزم أن يكون الإنسان الحي العالم السميع البصير المتكلم يلزم عنه جميع العالم ، لأنه إن كانت هذه الصفات هي التي تقتضي وجود العالم ، فيجب أن يكون لا فرق فيما يوجب في كل موجود يوصف بها . فإن كان الرجل قصد قول الحق في هذه الأشياء فغلط فهو معذور ، وإن كان علم التمويه فيها فقصده فإن لم يكن هنالك ضرورة داعية له فهو غير معذور ، وإن كان إنما قصد بهذا ليعرف أنه ليس عنده قول برهاني يعتمد عليه في هذه المسألة أعني المسألة التي هي من أين جاءت الكثرة كما يظهر بعد من قوله فهو صادق في ذلك ، إذ لم يبلغ الرجل المرتبة من العلم المحيط بهذه المسألة وهذا هو الظاهر من حاله فيما بعد ، وسبب ذلك أنه لم ينظر الرجل إلا في كتب ابن سينا فلحقه القصور في الحكمة من هذه الجهة . قال أبو حامد : فإن قال قائل : فإذا أبطلتم مذهبهم فما ذا تقولون أنتم ؟ أتزعمون أنه يصدر من الشيء الواحد من كل وجه شيئان مختلفان ؟ فتكابرون العقول . أم تقولون المبدأ الأول فيه كثرة فتتركون التوحيد أو تقولون لا كثرة في العالم فتنكرون الحس أو تقولون لزمت بالوسائط فتضطرون إلى الاعتراف بما قالوه . قلنا : نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض ممهد وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم وقد حصل . على أنا نقول ومن زعم أن المصير إلى صدور اثنين من واحد مكابرة للعقول أو إنصاف المبدأ بصفات قديمة أزلية مناقض للتوحيد فهاتان دعوتان باطلتان لا برهان لهم عليهما فإنه ليس يعرف استحالة صدور اثنين من واحد كما يعرف استحالة كون الشخص